
نوري بريمو : المصارحة.. والإنفتاح
قد ينتقدني البعض ويعتبر بأنني أكتب باسلوب صلف وأزرع الشؤم في النفوس أكثر من اللزوم حين ألوم إنساننا الشرق أوسطي أشدّ اللوم وأعتبر بأنّ جلّ ما أصابه من تقهقر وفشل واخفاقات على مدى الأزمان يعود قلبا وقالباً إلى أسباب وخلفيات ذاتية أدت بشكل تدريجي إلى انغماسنا بالجملة في حالة متردية يطغى عليها طابع الجهل المركب والإحباط المعنوي والفشل الأدائي الذي تسوده في أكثر الأحيان حالات الميئوسية والتخبط والمراوحة في المكان، في الوقت الذي تستحق فيه بلادنا الخضراء من بناتها وأبنائها مزيدا من النباهة والشجاعة وشحذ هممهم في سبيل الصحوة من الغفوة لا بل من غفلة تعثّرهم وعدم مقدرتهم على اللحاق بركب الحضارة البشرية التي أمسَينا بعيدين عنها بمسافات زمنية لا يمكن بلوغها إلا عبر التحلي بروحية المبادرة الذاتية من خلال مراكمة الحراك الايجابي لنفض غبار الماضي وتخطي مراحل تخلفنا والترفّع عن خلافاتنا وتكثيف الجهود الجماعية لتلقي المزيد من علوم ومعارف هذا الزمن إسوة بغيرنا من السائرين صوب عصرَنة أنفسهم والرّفع بحضارة مجتمعاتهم.
ورغم كل ما قد يُقال بحقنا من انتقادات في هذا المجال الذي أعتبره مصيريا بالنسبة لبلداننا المتخلفة، وبغض النظر عن الدور السلبي المعيق الذي لعبته وتلعبه مختلف الانظمة الاستبدادية في مسعى اضطهاد شعوبنا وعرقلة تطور مجتمعاتنا وابقائها أسيرة لإستبدادات فوقية ولطباع خنوعية ولطقوس بالية تجعلها قابعة كالحمل الوديع لغياهب الجهالة والتنازع البيني، فإنّ من حق المرء أن يكاشف نفسه ويقول الحق ولو جارَ على ذاته، وأن يؤكد بأنّ واقعنا المرير هو خير شاهد على أحقية ما نتصالف به من ملامة عنوانها بأنّ جوهر مشكلاتنا نابعة بالأساس من فرديتنا وأنانية إنساننا وعدم مراجعته لذاته وعنفيته حيال أقرانه ومصلحيته على حساب بني جلدته المقهورين، تلك الأنانية الناتجة بالأساس من الجهالة المتراكمة بسبب الإنتقائية لا بل التكفيرية في ميادين تلقي العلوم التي يجري تصنيفها جوراً بين ثقافة معادية وأخرى صديقة، ما يؤدي في أغلب الأحيان إلى الشطب على الطرف الفلاني الذي يحمل ثقافة الآخر وبالتالي إلى تغييب حالات الاستفادة القصوى من نهضة وتجارب ودروس الآخرين رغم غناها ووفرتها وتلاؤمها مع روح العصر، وما يدحّض إدّعاءاتنا بأننا كنا فيما مضى متقدمين على سوانا من الذين أصبحوا متفوقين علينا بكل شيئ وفي مختلف مناحي الحياة.
ولما كانت مسافة ألاف الأميال تبدأ بالخطوة الأولى من الميل الأول، وبما أنّ الذات الانسانية ينبغي أن تكون لوّامة وليس مدّاحة لذاتها وللآخرين، وبما أنّ الحلول التي قد تأتي متأخرة أفضل نوعا ما من تلك التي لا تأتي أبداً، فلا سبيل أمام أجيالنا الناشئة في كل مرحلة سوى الأداء الإيجابي المنتج عبر الاحتكام لخصال إجراء الجرد الذاتي على كافة المستويات الفردية والجماعية، لأنّ أية مسلكية سلبية بعكس ذلك ستبقى قاصرة ولن تؤدي سوى إلى إستمرار الأخطاء وعدم تصحيحها وبالتالي تقهقرنا في ظل تقدم الآخرين في عصرنا الحالي الموصوف بعصر السرعة والقوة والتحدي الذي لا مكان فيه لأمثالنا الضعفاء، وللعلم فإنه لن نقوى ولن نتمكن من تحقيق أي تفوّق بدون المصارحة مع الذات والآخرين، لأنّ الانفتاح بحد ذاته يُعتبَر من أهم عوامل النجاح الأفراد والجماعات ومن أبرز ما ينبغي أن نهتم به ونروّج له على مرآى ومسمع مختلف مكونات مجتمعاتنا المتقهقرة التي ترى بأم أعينها كيف يتقدم الآخرين بفضل مقدرتهم على التفاعل مع الأحداث التي تعترض سبيلهم أو تلك التي تحوم حولهم.
===================
جريدة الصباح الجديد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق